منتديات عش البلابل

الصور المتبادلة بين الرجل والمرأة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الصور المتبادلة بين الرجل والمرأة

مُساهمة من طرف  في الجمعة 15 مارس 2013 - 12:24

___بسم الله الرحمن الرحيم___

الصور المتبادلة بين الرجل والمرأة

عزة كامل:

منذ تناولت الكتابات قصة الخلق والعصيان وأضافت لها تفاصيل ورتوشا وتفسيرات والتركيز على الجسد الأنثوى لا يتوقف، الأمر الذى جعلنى أتساءل هل الجنة والجحيم هما الغايتان النهائيتان للبشرية أم أنهما نقطتان يمتد بينهما جسر لمحاولة الفوز بالفردوس المفقود.

هذا الجسر المسجى عليه الجسد الأنثوى المحرم الذى يستدعى قصة خروج آدم من الجنة فى صياغتها التوراتية، حيث تصبح حواء هى الشيطان رمز الغواية، ويتم بالتالى إنتاج وتوليد خطاب أصولى يكرس أزمة مجتمع مهزوم ويكشف عن تبعية ذليلة مستكينة فى بنيته العميقة. هذا الخطاب يعاقب المرأة التى أغواها الشيطان فأغوت آدم حتى أكل من الشجرة المحرمة. وهكذا طرد من الجنة وحكم على حواء بأن يسدل عليها ستارة البلادة والخمول. وما زال هذا الخطاب الذى يعكس بين طياته ثقافة تخلف يعزف على نغمات «وأد» المرأة داخل عباءة سوداء كمعادل لعملية الدفن الحى ويشهر فى وجها الاتهام الأبدى بأنها كائن شهوانى محرك للغرائز والنزوات. ويمتد الاتهام فى بلداننا العربية ليشمل مسئولية حواء عن أزمة الوجود العربى من هزيمة وانتكاسة وإغراق فى طائفية عرقية، لينعكس على الساحتين الفكرية والثقافية فى مجتمع جرحت زكوريته فأراد أن ينكأ جرحه بقهر المرأة وعقابها الدائم. وعند تناول القضايا السياسية والاجتماعية والثقافية، تصبح القضية الأولى المسيطرة على هذا الركود والتخلف هى قضية المرأة، وتغرق حياتنا منظومة عقائدية تبلغ حد تقديس ظاهر ومطموس، ويصبح سجن المرأة نداء قويا للخروج من دوائر الضياع أو الهزيمة، وأحيانا الخوف. هذا الخوف الذى يجعل النساء يلجأن أحيانا إلى ميثولوجيا مغرقة فى الدلالة، متوغلة فى الرمز ويجعل الرجال يستخدمون الأنثى كرمز أسطورى متوثب حامل للخطيئة.

فى مجرى التاريخ الإنسانى، لعبت الأنثى دورا جوهريا فى الحياة حيث كانت موضوع خوف ورهبة، حب ورغبة، فمن جسدها تتولد حياة جديدة، ومن صدرها يشخب حليب الحياة، وطمسها يتبع دورة القمر وخصبها خصب الطبيعة، لقد كانت سرا أصغر مرتبطا بسر أكبر.. حيث ينطلق الأسطورى من الواقعى، والواقعى ينفجر من الأسطورى، عملية تحول على مسار تاريخى قديم وعتيق إلى ما يسمى بميثولوجيا الواقع.

الحرية والجمال والإبداع ثالوث الحياة المقدس فكيف يمكن لجسد مقيد موصوم بالدنس أن يحيى؟ للقمع ضجيج يصم النفوس.. وللمرأة إيقاعها الخاص فى الصخب، وعندما يقمع الجسد تموت الروح.. الجسد هو ما نوجد به وعن طريقه نستطيع أن نكتشف الحرية ونمارسها، والحرية ليست الانطلاق بالجسد بعيدا عن العالم بل أن نحل فى هذا العالم بكامل حضورنا الجسدى، هذا الحضور الذى يوصل الحسى ــ العضوى ــ الفيزيقى بالروح المتسامية، ويتجاوز روحانيته وميتافيزيقيته.

ذهبت منذ شهر إلى مدينة الرباط المغربية وانخرطت لمدة ثلاثة أيام فى جدل جدير بالاهتمام عن «الإتجار فى النساء»، الذى هو بالطبع الوجه الآخر للتحكم فى جسد النساء، عبودية واسترقاق ونخاسة مشرعة لجسد المرأة والمفارقة أنه فى الوقت نفسه الذى تمتلئ به شوارعنا العربية بالعباءات السوداء، هناك آلاف من النساء «المتاجر» بهن سواء كن عربيات أم أجنبيات، يتعرضن لأبشع أنواع الاستغلال الجنسى، هذه التجارة التى تمثل أحد أحط أشكال الرق والعبودية فى العصر الحديث، والتى يتم فيها حرمان النساء من حريتهن عن طريق سجنهن من قبل مالكهن والمتاجرين بهن فى منازل موصدة الأبواب ومنعهن من الخروج بمفردهن وحجز جوازات سفرهن لمنعهن من مغادرة البلاد.

هذا الاسترقاق هو نتاج للخطاب الطائفى العنصرى، السائد اجتماعيا ويجد له مرتعا خصيبا فى الإعلام ويمتزج مع خطاب إعلامى يحد من قدرة المرأة ومن وجودها، فالإعلام يعكس الثقافة السائدة والقوة التى تولد هذه الثقافة وتعيد إنتاجها فى نفس الوقت.

فوسائل الإعلام التى هى صورة مصغرة عن المجتمع وعن توزع وتقاسم السلطة والقوى فيه، فهى تعمل فى ظل أنظمة اجتماعية وسياسية واقتصادية تتغذى منها وتغذيها. وما زالت الهوة شاسعة فى وسائل الإعلام بين الصورة المرسومة لكل من الرجال والنساء وبين الواقع المعيش، بل إن هذه الصورة تكاد تكون مغايرة لهذا الواقع خاصة فى المادة الإعلامية المنحازة بوضوح إلى الرجل، سواء فى الإعلانات أو الدراما أو البرامج ونشرات الأخبار.. إلخ، ويرجع ذلك إلى ما يسمى بالهوة الثقافية، أى الفاصل الزمنى بين الثقافة المادية والمعنوية وبين تخلف بعض أنماط السلوك عن مواكبة أنماط أخرى متصلة بها، وبمعنى آخر اعتماد سياسة التغييب والإقصاء.

وما لم تتم مواجهة هذا التغييب والإقصاء وتغيير هذه الأنظمة الاجتماعية والسياسية، وتغيير السياسة الإعلامية إزاء قضايا وحقوق المرأة والواقع الفعلى وليس المتخيل لها، فلسوف تظل المرأة حبيسة إرث ثقيل يقيدها، ويكبلها ويعيق تمتعها بحقوقها الإنسانية والمساواة مع الرجل.

قامت منذ أيام مجموعة مصرية من الرجال والنساء بإطلاق حملة لرصد وتغيير صورة المرأة والرجل فى الإعلام المرئى والمقروء والمسموع، بهدف تفكيك مفردات الخطاب الإعلامى النمطى الذكورى وإحلال مكانه خطاب عادل ومنصف لكل من المرأة والرجل. تحكم هذه المسموعة بأن تكون هذه الانطلاقة بارقة أمل تجعل النساء والرجال شركاء على قدم المساواة يتسربلون بثوب الحرية ويسكبون حبا ودلالا يضىء شمعة وسط عتمة الغرف الضيقة والحياة الخالية من الحب، أحلم بأن نواجه أعراسنا الجسدية دون خوف دون قهر، أحلم بأن تتحرر الأجساد، خاصة أجساد الرجال التى ما زالت هى نفسها غير محررة، ونفكك الأغلال وتغدو الخطوات الثقيلة خطوات فرحة نحو الحرية والحب.


تاريخ التسجيل : 31/12/1969

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى